مقدمو خدمات الحجاج لـ«اليوم»: المملكة أعادت تشكيل رحلة الحاج بمعايير عالمية

0
4

شهدت منظومة خدمة حجاج بيت الله الحرام خلال السنوات الأخيرة تحولات جذرية أعادت رسم ملامح رحلة الحج بالكامل، بدءًا من إجراءات القدوم وحتى مغادرة الحاج إلى بلده، في مشهد يعكس حجم التطور الذي تعيشه المملكة ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي وضعت خدمة ضيوف الرحمن في صدارة أولوياتها.
وأكد مختصون ومقدمو خدمات للحجاج في حديثهم لـ«اليوم» أن مهنة الطوافة، التي تعد من أعرق المهن المرتبطة بالحرمين الشريفين، انتقلت من العمل الفردي التقليدي القائم على الخبرة الميدانية المتوارثة، إلى منظومة تشغيلية متكاملة تعتمد على التقنية والحوكمة والتحول الرقمي وإدارة البيانات والذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على جوهر الرسالة الإنسانية للمهنة والمتمثلة في خدمة الحاج ورعايته.
وأوضح متخصص خدمات الحج والعمرة أحمد صالح حلبي أن الطوافة تعد مهنة تاريخية متجذرة في مكة المكرمة، مشيرًا إلى أن جذورها تعود إلى قرون طويلة، حيث نقل قطب الدين النهرواني في كتابه «الإعلام بأعلام بيت الله الحرام» أن السلطان المملوكي قايتباي حين حج عام 884 هـ تولى القاضي إبراهيم بن ظهيرة مهمة تطويفه وتلقينه الأدعية، فيما أشار الرحالة ابن رشيد خلال رحلته للحج عام 683 هـ إلى أن أهل مكة وأطفالهم كانوا يستقبلون الحجاج ويعلمونهم المناسك والأدعية.

أحمد حلبي

نظام إدارة الحج

وبيّن حلبي أن الطوافة بدأت تأخذ شكلها التنظيمي خلال العهد العثماني، عندما ظهرت أنظمة «التقارير» التي منحت بعض العلماء والقضاة صلاحيات مرتبطة بخدمة الحجاج، قبل أن تتطور لاحقًا لتنشأ مهنة المطوفين بشكل أكثر وضوحًا.
وأضاف أن التحول الأكبر جاء مع توحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ الذي أصدر عام 1343 هـ أمرًا كريمًا بالإبقاء على مهنة الطوافة وتنظيمها، وهو ما ظهر في المرسوم الملكي المنشور في صحيفة أم القرى آنذاك.
وأكد أن أول تنظيم فعلي للطوافة في العهد السعودي جاء عبر «نظام إدارة الحج» الصادر عام 1345 هـ، والذي وضع تعريفًا واضحًا لمهام المطوفين والزمازمة ووكلائهم والعاملين في خدمة الحجاج.

أنظمة التوزيع والمؤسسات

وأشار حلبي إلى أن أنظمة الطوافة شهدت تطورات متلاحقة، بداية من «نظام التقارير»، مرورًا بـ«نظام السؤال» الذي منح الحاج حرية اختيار المطوف، ثم أنظمة التوزيع والمؤسسات، وصولًا إلى النظام الحديث القائم على الشركات المتخصصة في تقديم الخدمات.
وأكد أن المهام الأساسية التي كان يؤديها المطوف قديمًا لا تختلف كثيرًا عن المهام الحالية، لكنها أصبحت اليوم تنفذ عبر شركات احترافية متكاملة تضم كوادر تشغيلية وتقنية وإدارية وميدانية تعمل وفق معايير دقيقة.
وأشار إلى أن شركات خدمات الحجاج تتولى حاليًا إدارة منظومة متكاملة تشمل الاستقبال في المنافذ، وخدمات السكن والإعاشة، وتجهيز المخيمات بالمشاعر المقدسة، وإدارة النقل والتفويج، إضافة إلى خدمات التوديع ومتابعة انتقال الحجاج إلى المدينة المنورة أو المطارات.

تقديم الخدمات للحجاج خلال موسم الحج - اليوم

المسجد الحرام والمشاعر المقدسة

وأضاف حلبي أن الخدمات لم تعد تقتصر على الجوانب التشغيلية، بل تشمل كذلك التوجيه والإرشاد والتوعية، ومساعدة الحجاج أثناء أداء المناسك، وشرح التعليمات التنظيمية الخاصة بالتفويج والتنقل داخل المسجد الحرام والمشاعر المقدسة، إلى جانب تعزيز الالتزام بالبرامج الزمنية للحشود.
وأوضح أن قياس جودة الخدمات شهد بدوره تطورًا ملحوظًا، حيث ظهرت فرق متخصصة تعرف بـ«فرق السعادة» تعمل على زيارة الحجاج في مساكنهم وتقديم الهدايا لهم وقياس رضاهم بشكل مباشر، مؤكدًا أن الشركات الناجحة لم تعد تعتمد فقط على الاستبيانات التقليدية، بل على التواصل المباشر مع الحاج وتحليل تجربته ميدانيًا.
وفيما يتعلق بالتحديات، قال إن أبرز ما كان يواجه المطوفين سابقًا يتمثل في عدم التزام بعض الحجاج ببرامج التفويج الخاصة بمنشأة الجمرات أو المسجد الحرام، نتيجة ضعف التوعية في بلدانهم، إلا أن التنسيق الحالي بين وزارة الحج والعمرة ومكاتب شؤون الحجاج أسهم في تعزيز البرامج التوعوية وتوظيف وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة لإيصال الرسائل الإرشادية للحجاج بلغات متعددة.

تقديم الخدمات للحجاج خلال موسم الحج - اليوم

تقنيات الذكاء الاصطناعي

وأكد حلبي أن الخبرة الميدانية الطويلة لا تزال تمثل عنصرًا مهمًا في نجاح العاملين بخدمة الحجاج، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع اختلاف الثقافات واللغات، مشيرًا إلى أن المطوف المتمرس يستطيع فهم احتياجات مختلف الجنسيات والتعامل معها بمرونة عالية.
وحول التحول الرقمي، أوضح أن الحديث لم يعد يقتصر على بطاقة «نسك» فقط، بل امتد إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف تفاصيل التشغيل داخل المشاعر المقدسة، بدءًا من أنظمة الرؤية الحاسوبية المستخدمة في حصر أعداد الحجاج داخل المخيمات وإدارة الحشود، مرورًا بمراقبة الاشتراطات الصحية والبيئية في المطابخ ومواقع تجهيز الطعام، وصولًا إلى أنظمة ذكية تتابع نظافة المخيمات ودورات المياه وتكتشف المخلفات بشكل فوري.
وأضاف أن الأنظمة الحديثة أصبحت تقيس أوزان الوجبات ودرجات حرارتها قبل التوزيع، وتوثق أوقات تسليمها للحجاج، بما يضمن جودة الإعاشة وسرعة الخدمة، إلى جانب استخدام روبوتات ذكية لجمع البيانات وتنفيذ الاستبيانات بلغات متعددة.

مراقبة كثافة الحشود

وأشار حلبي إلى أن الذكاء الاصطناعي دخل كذلك في الجوانب الأمنية، من خلال مراقبة تواجد أفراد الحراسات الأمنية عند بوابات المخيمات، وإطلاق تنبيهات فورية عند غيابهم، فضلًا عن مراقبة كثافة الحشود في البوفيهات ودورات المياه وتحليل مستويات الازدحام لحظيًا.
وبيّن أن تقنيات التعرف على الوجه وبطاقات «نسك» أصبحت تستخدم للتحقق من هوية الحجاج داخل المخيمات، والتأكد من وجودهم في المواقع المخصصة لهم، كما تم توظيف روبوتات خدمية لتحضير المشروبات الساخنة والباردة وتقديمها للحجاج.
وأضاف أن تقنية الواقع الافتراضي أصبحت تمثل إضافة نوعية، إذ تتيح للحاج جولات افتراضية داخل المشاعر المقدسة والمواقع التاريخية قبل أداء المناسك، بما يساعده على تكوين تصور مسبق عن المواقع وآلية التنقل بينها.
كما أشار إلى استخدام تقنيات تحديد المواقع لمتابعة كبار السن ومرضى الزهايمر ومنع حالات الضياع، إضافة إلى أنظمة ذكية لحصر العمالة داخل المخيمات وتوزيعها ميدانيًا وفق الاحتياج التشغيلي.

190

سعود دمنهوري

الخدمات اللوجستية والتقنية

من جانبه، أكد سعود بن عبدالعزيز دمنهوري احد خبراء قطاع تقديم خدمات الحجاج والمعتمرين أن مهنة الطوافة تعد من أشرف المهن التي توارثتها العائلات المكية عبر أجيال طويلة، مشيرًا إلى أن التحول المؤسسي والتقني الذي شهدته المنظومة حافظ على روح الخدمة الأصيلة، لكنه نقلها إلى مستوى أكثر احترافية وتنظيمًا.
وأوضح أن العمل في خدمة الحجاج أصبح اليوم يعتمد على منظومة تشغيلية متكاملة تشمل التخطيط والتنسيق والإرشاد والخدمات اللوجستية والتقنية، إلى جانب المتابعة الميدانية المستمرة على مدار الساعة.
وأضاف أن الخدمات المقدمة تشمل الاستقبال والتسكين والنقل والإعاشة والإرشاد والتوعية والتفويج والمتابعة الصحية، مؤكدًا أن قياس الجودة أصبح يتم عبر مؤشرات أداء دقيقة واستبيانات إلكترونية وتطبيقات رقمية تتيح معالجة الملاحظات بشكل مباشر.

التكامل بين الجهات الحكومية

وأشار دمنهوري إلى أن إدارة الحشود والتنقل بين المشاعر لا تزال تمثل تحديًا كبيرًا بسبب ضخامة أعداد الحجاج وتنوع لغاتهم وثقافاتهم، إلا أن التكامل بين الجهات الحكومية والخدمية والأمنية أسهم في تحقيق مستويات عالية من الانسيابية والسلامة.
وأكد أن التحول الرقمي أحدث نقلة كبيرة في تجربة الحاج، حيث أصبحت معظم الخدمات تقدم إلكترونيًا، مثل إصدار التصاريح والإرشاد المكاني وإدارة التفويج وتتبع الحافلات والبلاغات الفورية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على سرعة الإنجاز وتحسين جودة الخدمات.
وأشار إلى أن المملكة تواصل العمل على تطوير البنية التحتية ووسائل النقل والمشروعات المرتبطة بالمشاعر المقدسة، بما يحقق تجربة إيمانية آمنة وميسرة لضيوف الرحمن.

العمل المؤسسي الحديث

بدوره، قال المهندس عماد بن سامي قاري، عضو مجلس الإدارة وعضو اللجنة التنفيذية باحد مقدمي لخدمات الحجاج ورئيس لجنة تقنية المعلومات بالمجلس التنسيقي لشركات الضيافة لحجاج الخارج، إن الطوافة مرت بتحولات كبيرة خلال السنوات الماضية، حيث انتقلت من الجهود الفردية إلى العمل المؤسسي الحديث، ثم إلى نموذج الشركات المساهمة العاملة وفق معايير تشغيلية عالمية.

171

عماد قاري

وأوضح أن مفهوم «المطوف» تغير اليوم، فلم يعد مقتصرًا على الإرشاد التقليدي، بل أصبح مقدم خدمات وشريكًا متكاملًا في رحلة الحاج، يتولى إدارة مختلف التفاصيل التشغيلية والخدمية والرقمية.
وأضاف أن شركات مقدمي خدمات الحجاج باتت تقدم منظومة متكاملة تشمل النقل والإسكان والإعاشة والإرشاد والدعم الصحي والتوعوي والخدمات الرقمية، إضافة إلى حلول التفويج الذكي وإدارة البلاغات والتواصل الفوري وتطبيقات الملاحة والإرشاد.

قياس جودة الخدمات

وأكد قاري أن قياس جودة الخدمات أصبح يعتمد على مؤشرات دقيقة مثل سرعة الاستجابة وتقليل أوقات الانتظار وكفاءة التفويج ورضا الحجاج، إضافة إلى تحليل البيانات التشغيلية بشكل لحظي، في إطار مستهدفات رؤية 2030 التي تسعى إلى رفع مستويات رضا ضيوف الرحمن إلى نسب عالمية تتجاوز 90%.
وأشار إلى أن موسم الحج يعد من أعقد العمليات التشغيلية في العالم، نظرًا لحجم الحشود وكثافة التنقلات خلال فترات زمنية محددة، مؤكدًا أن المملكة نجحت في بناء منظومة تكاملية بين الجهات الحكومية والخدمية والأمنية والتقنية أسهمت في رفع كفاءة إدارة الموسم.
وأضاف أن تطبيق «نسك» وبطاقة «نسك» والحلول الذكية الخاصة بالتفويج والتصاريح والخرائط التفاعلية وأنظمة تتبع الحشود، كلها أسهمت في تسهيل الإجراءات وتقليل الازدحام وتحسين تجربة الحاج بشكل كبير.

مبادرة طريق مكة

وأشار قياس إلى أن مبادرات مثل «طريق مكة» و«حاج بلا حقيبة» تمثل نماذج متقدمة للتحول التشغيلي، حيث ساهمت في اختصار الإجراءات وتحسين راحة الحجاج، موضحًا أن مبادرة «حاج بلا حقيبة» أسهمت هذا العام في تقليص زمن إنهاء إجراءات المطارات من 120 دقيقة إلى نحو 15 دقيقة فقط.
وأوضح أن المملكة أتاحت كذلك للحجاج من 126 دولة إمكانية الحجز المباشر عبر منصة «نسك» دون الحاجة إلى وسطاء، ما حدّ من المشكلات المرتبطة ببعض الشركات الخارجية، خاصة فيما يتعلق بالسكن والخدمات.
وأكد أن مستقبل الحج يتجه نحو التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وإنترنت الأشياء، بما يسهم في بناء تجربة أكثر ذكاء وكفاءة واستباقية، تعزز راحة الحاج وسلامته، وتكرّس مكانة المملكة العالمية في خدمة ضيوف الرحمن.

Disclaimer : This story is auto aggregated by a computer programme and has not been created or edited by DOWNTHENEWS. Publisher: alyaum.com