فلكية جدة: غيوم زرقاء متوهجة عند حافة الفضاء تكشف أسراراً عن الشهب

0
3

أوضح رئيس الجمعية الفلكية بجدة المهندس ماجد أبوزاهرة أن السماء فوق المناطق القطبية تشهد سنوياً مع اقتراب فصل الصيف في النصف الشمالي من الكرة الأرضية ظاهرة فلكية وجوية لافتة تتمثل في ظهور غيوم زرقاء كهربائية متموجة بعد غروب الشمس، تُعرف علمياً باسم “غيوم الليل المضيئة”، وهي من أكثر الظواهر الجوية جمالاً وغموضاً في الغلاف الجوي للأرض.
وبيّن أن هذه الغيوم تُرصد عادة في خطوط العرض العليا، ويكون أول ظهور موسمي لها غالباً خلال أواخر شهر مايو أو مطلع يونيو، حيث تتشكل بلورات جليدية دقيقة جداً وتلتصق بجزيئات غبار الشهب العالقة في الطبقات العليا من الغلاف الجوي، فتبدو على هيئة أشرطة زرقاء متوهجة تسبح عند حافة الفضاء.

حزم جليدية رقيقة

أشار أبوزاهرة إلى أن غيوم الليل المضيئة تُعد حزماً جليدية رقيقة تتكون على ارتفاعات شاهقة، وقد ظل العلماء لفترة طويلة غير قادرين على تفسير آلية تشكلها بشكل كامل. إلا أن الدراسات الحديثة كشفت أن هذه الغيوم تتكون عندما تنخفض درجات الحرارة في أعلى طبقات الغلاف الجوي إلى مستويات تسمح بتجمد بخار الماء حول جسيمات دقيقة ناتجة عن احتراق الشهب، لافتاً إلى أن نحو 3 في المئة من مكونات كل بلورة جليدية في هذه الغيوم يعود مصدرها إلى ما يُعرف بدخان الشهب.
وأضاف أن بلورات الجليد في هذه الغيوم تتشكل حول جزيئات غبار شهبية متناهية الصغر يتراوح حجمها بين 20 و70 نانومتراً، في حين أن البلورات الجليدية الموجودة في السحب الرقيقة بالطبقات الدنيا من الغلاف الجوي تكون أكبر حجماً بما يتراوح بين 10 و100 مرة نتيجة وفرة بخار الماء على ارتفاعات أقل.

صخور دقيقة

أوضح أبوزاهرة أن الجزء الداخلي من النظام الشمسي يعج بأجسام صغيرة ومتنوعة الأحجام، من الصخور الدقيقة إلى الجسيمات الغبارية المجهرية، وأن الأرض تجرف يومياً عدة أطنان من هذه المواد. وعند دخول النيازك إلى الغلاف الجوي واحتراقها بفعل الاحتكاك، تترك وراءها سحباً من الجسيمات الدقيقة العالقة على ارتفاع يتراوح بين 60 و100 كيلومتر فوق سطح الأرض، لتصبح نواة تتجمع حولها بلورات الجليد المكونة لغيوم الليل المضيئة.
ولفت إلى أن هذه الغيوم رُصدت منذ القرن التاسع عشر في المناطق القطبية الشمالية، إلا أن العقود الأخيرة شهدت ظهورها في مناطق أبعد نحو الجنوب، وهو ما دفع العلماء إلى دراسة العلاقة المحتملة بين ازدياد مشاهدتها والتغيرات المناخية العالمية، إضافة إلى ارتفاع مستويات غاز الميثان في الغلاف الجوي.

سلسلة من التفاعلات

بيّن أبوزاهرة أن الميثان يُعد أحد أهم غازات الدفيئة، وعندما يصل إلى الطبقات العليا من الغلاف الجوي يتأكسد عبر سلسلة معقدة من التفاعلات الكيميائية منتجاً بخار الماء، الأمر الذي يوفر بيئة أكثر ملاءمة لتشكل بلورات الجليد الخاصة بهذه الغيوم المتوهجة. وأضاف أن دراسة هذه الظاهرة قد تساعد العلماء على فهم التغيرات التي تطرأ على الغلاف الجوي للأرض ومراقبة آثار التغير المناخي على المدى الطويل.
وعن سبب اللون الأزرق المميز لهذه الغيوم، أوضح أن صغر حجم البلورات الجليدية يجعلها أكثر قدرة على بعثرة الأطوال الموجية القصيرة للضوء الأزرق مقارنة بالأطوال الموجية الطويلة للضوء الأحمر، ولذلك تبدو هذه السحب بلون أزرق فضي لافت عند رؤيتها من سطح الأرض بعد غروب الشمس.

دراسات علمية

أشار رئيس فلكية جدة إلى أن الدراسات العلمية أظهرت أيضاً أن غيوم الليل المضيئة قد تصبح أكثر كثافة وسطوعاً خلال فترات الحد الأدنى من نشاط الدورة الشمسية، حيث تؤدي البرودة النسبية في أعلى الغلاف الجوي إلى تعزيز تشكل بلورات الجليد حول جسيمات دخان الشهب.
وأكد أبوزاهرة أنه على الرغم من جمال هذه الظاهرة، فإن مشاهدتها تقتصر غالباً على المناطق الواقعة في خطوط العرض العليا قرب القطبين، حيث تظهر عادة بين دائرتي عرض 50 و65 درجة شمالاً وجنوباً، ما يجعل رؤيتها في السعودية ومعظم دول العالم العربي أمراً نادراً للغاية بسبب البعد الجغرافي عن المناطق القطبية.

مشاهدات متفرقة

أضاف أبوزاهرة أن العقود الأخيرة شهدت تسجيل مشاهدات متفرقة لهذه الغيوم في خطوط عرض أقل من المعتاد، خاصة في بعض مناطق جنوب أوروبا وحوض البحر المتوسط، ويُعتقد أن التغيرات المناخية وازدياد بخار الماء في الطبقات العليا من الغلاف الجوي قد يسهمان في اتساع نطاق ظهورها نحو مناطق أبعد عن القطبين.
أما في السعودية، فإن احتمال رصدها يبقى ضعيفاً جداً، وأي سحب مضيئة تظهر ليلاً تكون في الغالب سحباً مرتفعة مضاءة بعد الغروب أو ظواهر جوية أخرى، وليست غيوم الليل المضيئة الحقيقية.
وختم بالقول إن غيوم الليل المضيئة لا تزال تحمل كثيراً من الأسرار العلمية رغم التقدم الكبير في دراستها، إلا أن المؤكد حتى الآن هو أن دخان الشهب القادم من الفضاء يؤدي دوراً محورياً في نشوء هذه الغيوم الفريدة، بينما يبقى السبب الدقيق وراء ازدياد سطوعها وانتشارها موضوعاً للبحث والدراسة العلمية المستمرة.

Disclaimer : This story is auto aggregated by a computer programme and has not been created or edited by DOWNTHENEWS. Publisher: alyaum.com