
أوضح رئيس الجمعية الفلكية بجدة المهندس ماجد أبو زاهرة أن شهر مارس يُعد من أكثر الأشهر ثراءً من الناحية الفلكية، إذ يمثل مرحلة انتقالية فريدة في سماء الأرض، تجمع بين بقايا المشاهد الشتوية وبدايات ملامح الربيع في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، في الوقت الذي يستعد فيه النصف الجنوبي لدخول فصل الشتاء مع انحسار حرارة الصيف وامتداد الليالي تدريجياً.
وبيّن أن هذه الفترة الانتقالية تمنح هواة رصد السماء فرصة نادرة لمتابعة مشهد مزدوج، حيث لا تزال الكوكبات الشتوية الساطعة تزين الأفق في ساعات المساء الأولى، بينما تبدأ نجوم وكوكبات الربيع في الصعود من الشرق معلنة التغير الفصلي في قبة السماء.
وأضاف: “مع تقدم أيام الشهر، تتناقص ساعات الليل شيئاً فشيئاً في النصف الشمالي، ويتزامن ذلك مع تطبيق التوقيت الصيفي في عدد من المناطق، ما يؤدي إلى تأخر موعد الغروب وتقليص زمن الرصد المسائي، إلا أن اعتدال درجات الحرارة يجعل من مارس شهراً مثالياً لمراقبة السماء مقارنة ببرودة الشتاء”.
وفي المقابل، يعيش سكان النصف الجنوبي تجربة فلكية معاكسة، حيث تطول ساعات الليل تدريجياً وتتحول مراقبة النجوم إلى نشاط مريح في أجواء أبرد وأكثر صفاء، وهو ما يشكل دليلاً عملياً على كروية الأرض واختلاف الفصول بين نصفيها. ويصل هذا التحول ذروته مع حلول يوم الاعتدال الربيعي، عندما تتعامد أشعة الشمس على خط الاستواء، فتتساوى ساعات الليل والنهار تقريباً في مختلف أنحاء العالم، قبل أن يبدأ النهار بالازدياد في الشمال والليل بالامتداد في الجنوب، في انعكاس مباشر لحركة الأرض حول الشمس.
وأشار أبو زاهرة إلى أن القمر يقدم خلال شهر مارس عروضاً فلكية لافتة، إذ يقترب القمر البدر المعروف بقمر الخزامى في بداية الشهر من نجم لامع في كوكبة الأسد في مشهد يمكن مشاهدته بسهولة بالعين المجردة. وفي مناطق واسعة من العالم، خصوصاً فوق المحيط الهادئ، تشهد بعض الدول ظاهرة احتجاب نجمي عندما يحجب القمر هذا النجم لفترة وجيزة.
ويتزامن ذلك مع حدوث خسوف كلي للقمر في الليلة نفسها، حيث يدخل القمر بالكامل في ظل الأرض ويتحول لونه تدريجياً إلى الأحمر، نتيجة لانكسار أشعة الشمس عبر الغلاف الجوي للأرض ووصول الأطوال الموجية الحمراء فقط إلى سطح القمر، في مشهد يُعرف شعبياً بالقمر الدموي، إلا أن هذا الخسوف غير مشاهد في العالم العربي.
وأوضح أن هذه الظاهرة ليست مجرد عرض بصري جميل، بل تمثل دليلاً على دقة هندسة النظام الشمسي، حيث إن ميل مدار القمر بالنسبة لمدار الأرض يمنع حدوث الخسوف كل شهر، ولا يقع إلا عند اصطفاف الأجرام الثلاثة بدقة. وخلال الخسوف، يمكن للراصدين ملاحظة اختفاء بعض النجوم خلف الحافة الشرقية للقمر وظهورها مجدداً من الحافة الغربية بفعل حركته المدارية البطيئة.
وعن الكواكب، أكد رئيس الجمعية الفلكية بجدة أن سماء مارس تزدان بتألق كوكب المشتري، الذي يسطع عالياً في بداية المساء متفوقاً على معظم نجوم السماء بلمعانه القوي، ويمكن باستخدام تلسكوبات صغيرة رصد أقماره الأربعة الكبيرة وأحزمته السحابية التي تكشف عن ديناميكية غلافه الجوي. كما يظهر كوكب الزهرة منخفضاً فوق الأفق الغربي بعد الغروب، لامعاً في سماء الشفق، ويجاوره كوكب زحل لفترة وجيزة في أوائل الشهر، وإن كان رصده أكثر صعوبة بسبب قربه الشديد من الأفق.
وأضاف أن خريطة السماء تتغير بوضوح مع تقدم ليالي مارس، حيث تبدأ الكوكبات الشتوية التي هيمنت على السماء خلال الأشهر الماضية بالانحدار نحو الغرب، في حين تصعد كوكبة الأسد من الشرق لتحتل موقعاً بارزاً في قبة السماء، في مشهد يعكس حركة الفصول وكأنها تُعرض أمام أعين الراصدين ببطء وانتظام.
وفي النصف الجنوبي، يختلف المشهد الفلكي من حيث التفاصيل، لكنه لا يقل سحراً، إذ تمتد أنهار النجوم عبر السماء الجنوبية وتبرز مناطق غنية بالسحب الغازية والنجوم الفتية، وتوفر الليالي الأطول فرصة مثالية لتتبع هذه المشاهد بهدوء وتحويل السماء إلى خريطة كونية مفتوحة لعشاق الاستكشاف.
واختتم أبو زاهرة حديثه بالإشارة إلى أن شهر مارس قد يشهد أيضاً مرور بعض المذنبات الخافتة التي يمكن رصدها باستخدام تلسكوبات صغيرة، وهي أجرام جليدية قديمة تحمل سجلاً محفوظاً من بدايات تشكل النظام الشمسي، وقد يزداد سطوع أحدها مع اقترابه من الشمس خلال الأشهر المقبلة، ما يمنح الراصدين فرصة لمتابعة عرض فلكي استثنائي في سماء الفجر.
ويبدو مارس، بحسب وصفه، جسراً فلكياً بين فصلين، تتداخل فيه نهايات الشتاء مع بدايات الربيع، وتتبدل مواقع النجوم تدريجياً في مسرح سماوي لا يتوقف عن الحركة، ليبقى دعوة مفتوحة للتأمل ورفع الأبصار نحو السماء قبل أن تتغير ملامحها من جديد.
Disclaimer : This story is auto aggregated by a computer programme and has not been created or edited by DOWNTHENEWS. Publisher: alyaum.com





