من الإبرة إلى سطح الكعبة.. حكايات صُنّاع الكسوة بين الشرف والإتقان والمسؤولية

0
1

تمثل كسوة الكعبة المشرفة إحدى أبرز الصور التي تجسد عناية المملكة العربية السعودية بالحرمين الشريفين، حيث تتوارث الأجيال في مجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة المشرفة مهنة استثنائية تجمع بين الدقة الفنية والبعد الروحي، في رحلة تبدأ من خيوط الحرير والتطريز اليدوي وتنتهي بارتداء الكعبة المشرفة ثوبها الجديد كل عام.
وفي الوقت الذي يترقب فيه المسلمون حول العالم مراسم تغيير الكسوة، يقف خلف هذا العمل عشرات المتخصصين الذين يكرسون سنوات طويلة من حياتهم لخدمة هذا الشرف العظيم، مؤكدين أن ما يقومون به يتجاوز حدود الوظيفة إلى رسالة دينية ووطنية يعتزون بها.

خدمة الكعبة شرف لا يضاهيه شرف

ويؤكد إبراهيم عمر نوفل، أحد العاملين في مجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة المشرفة، أن العمل في صناعة الكسوة ليس مجرد مهنة، بل شرف ومسؤولية كبيرة، قائلاً إن العاملين يحتسبون أجر كل غرزة عند الله سبحانه وتعالى، لأن خدمة الكعبة المشرفة شرف لا يضاهيه شرف.

ابراهيم نوفل

وأوضح أن الكسوة ما زالت تعتمد على العمل اليدوي في العديد من مراحل تصنيعها رغم التطور التقني الذي تشهده مختلف الصناعات، مشيراً إلى أن هذا النهج يأتي حفاظاً على القيمة الفنية والتاريخية للكسوة، خاصة في أعمال التطريز الدقيقة الخاصة بالآيات القرآنية والزخارف الإسلامية التي تمنحها جمالها وهيبتها المعهودة.
وأضاف أن العمل اليومي يتطلب التعامل المباشر مع الإبرة والخيوط وأعمال التطريز المتقنة، لا سيما في أجزاء الحزام والقطع المزخرفة، مبيناً أن هذه الأعمال تحتاج إلى مهارة عالية وصبر طويل وتدريب مستمر. وأشار إلى أن العامل الجديد لا يُكلف مباشرة بالعمل على أجزاء الكسوة، بل يخضع لفترات تدريب وتأهيل قبل إسناد المهام إليه وفقاً لقدراته ومستوى إتقانه.

خبرة ومهارة باستخدام الإبرة

ولفت نوفل إلى أن الخبرة الطويلة تمنح العامل إحساساً استثنائياً أثناء الخياطة اليدوية، إذ يصبح قادراً على تحديد موضع الإبرة والغرز بدقة متناهية حتى دون رؤية الجهة الأخرى من القماش، وهو ما يعكس حجم المهارة التي يكتسبها العاملون عبر سنوات طويلة من الممارسة.
واستحضر إحدى أبرز المحطات في مسيرته المهنية عندما شارك ابنه في أعمال تغيير كسوة الكعبة المشرفة، مؤكداً أن تلك اللحظة تعد من أغلى الذكريات في حياته، حيث عملا معاً على سطح الكعبة أثناء تنفيذ أعمال التلبيس، في مشهد يجسد امتداد الشغف بالمهنة عبر الأجيال.
وأشار إلى أنه أمضى نحو 38 عاماً ونصف العام في خدمة كسوة الكعبة المشرفة، مؤكداً أن العمل في هذا المجال كان حلماً وأمنية رافقته منذ سنوات طويلة، وأن تحقيقه لهذه الأمنية يمثل مصدر فخر وامتنان لله سبحانه وتعالى على ما منحه من ثقة وشرف خدمة بيت الله الحرام.

استعداد للعمل ودراسة أدق التفاصيل

من جهته، استعرض مشرف تغيير كسوة الكعبة المشرفة فهد الجابري تفاصيل بداية تكليفه بالإشراف على عملية التغيير، موضحاً أن المسؤول عن المهمة آنذاك كان زميله صالح المدني الذي كان يقترب من سن التقاعد عام 1420هـ، قبل أن يتم ترشيحه لتولي هذه المسؤولية المهمة.

175

فهد الجابري

وقال الجابري إن التفكير في المهمة شغله منذ اللحظة الأولى لتكليفه بها، نظراً لحجم المسؤولية المترتبة على إدارة واحدة من أهم العمليات المرتبطة بخدمة الكعبة المشرفة، مبيناً أن هناك فرقاً كبيراً بين المشاركة ضمن فريق العمل وتحمل مسؤولية الإشراف الكامل على جميع التفاصيل.
وأضاف أنه بدأ منذ ذلك الوقت في دراسة أدق تفاصيل الكسوة وآلية تثبيتها، حيث كان يتردد بشكل يومي على المسجد الحرام لمراقبة الزوايا وطرق الخياطة ومسافات التباعد بين الأجزاء المختلفة، مع تدوين جميع الملاحظات والقياسات في أوراق خاصة حتى يتمكن من الإحاطة الكاملة بجميع جوانب المهمة.
وأوضح أن فترة الاستعداد استمرت حتى موعد التنفيذ الفعلي، مؤكداً أن حجم المسؤولية كان كبيراً إلى درجة أنه لم يستطع النوم خلال اليومين السابقين لعملية التغيير، بسبب انشغاله بالتأكد من جاهزية كل التفاصيل وضمان نجاح المهمة، مشيراً إلى أن نجاح العملية شكّل محطة مفصلية ومصدر اعتزاز كبير في مسيرته المهنية.

مراحل صناعة الكسوة

وفي جانب آخر من مراحل صناعة الكسوة، أوضح رئيس قسم تجميع وخياطة كسوة الكعبة المشرفة صلاح عبدالله عامر السلمي أن عملية التجميع والخياطة تمر بسلسلة من الخطوات الدقيقة التي تتطلب خبرات متخصصة وكوادر مدربة على أعلى المستويات.
وبيّن أن العمل يبدأ بتجميع البطانة الداخلية المصنوعة من القطن الأبيض، ثم تجميع قطع الحرير المنقوش التي تتكون من 47 طاقة، قبل الانتقال إلى مرحلة تجميع القطع المذهبة الخاصة بكل جهة من جهات الكعبة المشرفة بشكل منفصل.
وأضاف أن الحزام يعد من أكثر الأجزاء دقة، حيث يتم تجميع أربع قطع لكل جهة قبل تثبيتها على قماش الحرير المنقوش، كما تشمل أعمال التجميع القطع الواقعة أسفل الحزام وعددها سبع قطع، إضافة إلى 17 قنديلاً وأربع قطع من الصمديات.

اعتماد الكوادر الوطنية في صناعة الكسوة

وأشار السلمي إلى أن مراحل العمل تتضمن كذلك إعداد وتجميع القطع الخاصة بدينار الحجر الأسود والركن اليماني وعرق أعلى الركن اليماني، إلى جانب حلة الميزاب وقطع ستارة باب الكعبة المشرفة، مؤكداً أن جميع هذه الأعمال تنفذ وفق معايير دقيقة من الجودة والإتقان.

175

صلاح السلمي

وأكد أن ما يميز صناعة الكسوة هو اعتمادها على كوادر وطنية متخصصة تمتلك خبرات متراكمة في أعمال الخياطة والتطريز والتجميع، ما يسهم في الحفاظ على هذا الإرث الإسلامي العريق وتقديمه بأعلى درجات الجودة التي تليق بمكانة الكعبة المشرفة وقدسيتها لدى المسلمين في مختلف أنحاء العالم.
وتجسد هذه الشهادات حجم الجهد الإنساني والفني المبذول خلف صناعة كسوة الكعبة المشرفة، حيث تلتقي الخبرة الطويلة بالدقة العالية والإيمان العميق برسالة العمل، لتبقى الكسوة رمزاً للعناية الفائقة ببيت الله الحرام وشاهداً على قصة إتقان تتجدد عاماً بعد عام.

Disclaimer : This story is auto aggregated by a computer programme and has not been created or edited by DOWNTHENEWS. Publisher: alyaum.com