865 حالة غرق سنويًا.. ومختصون لـ “اليوم”: غياب الرقابة الأسرية يزيد الحوادث

0
4
في كل صيف، تتكرر المشاهد ذاتها.. شواطئ مكتظة، مسابح تعجّ بالأطفال والعائلات، وضحكات تتحول في لحظات إلى صرخات فزع وحكايات فقدٍ لا تُنسى.
وبينما يُفترض أن تكون الإجازة الصيفية موسماً للراحة والترفيه، تظل حوادث الغرق واحدةً من أكثر المآسي إيلاماً وتكراراً، تحصد أرواحاً خلال ثوانٍ، وتترك خلفها أسئلة ثقيلة عن أسباب استمرارها رغم اتساع حملات التوعية وتكرار التحذيرات عاماً بعد عام.

وفي أحدث إحصائية صادرة عن هيئة الهلال الأحمر السعودي، باشرت الفرق الإسعافية 865 حالة غرق في مختلف مناطق المملكة خلال عام 2024، وهو رقم يعكس حجم الخطر المتصاعد مع ارتفاع الإقبال على المسابح والواجهات البحرية خلال فصل الصيف، خصوصاً من قِبَل الأطفال واليافعين.
ومع دخول موسم الإجازات وارتفاع درجات الحرارة، يعود ملف السلامة المائية إلى الواجهة بوصفه قضيةً مجتمعيةً تتجاوز حدود الحوادث الفردية، لتطرح تساؤلات أعمق حول مسؤولية الأسرة، ودور الجهات المشغِّلة، ومدى الالتزام باشتراطات السلامة والإنقاذ.

حالات انقاذ

وفي أولى حلقات الملف الشهري لصحيفة «اليوم» بعنوان «صيف بلا فواجع: ما وراء حوادث الغرق في المسابح والشواطئ»، نسلط الضوء على الأسباب الحقيقية وراء تكرار هذه الحوادث، ونناقش من خلال آراء أطباء ومتخصصين واجتماعيين كيف يتحول الإهمال البسيط أو الثقة الزائدة إلى مأساة خلال دقائق، ولماذا لا يُعدّ الغرق حادثاً مفاجئاً بقدر ما هو نتيجة مباشرة لغياب الوعي أو التهاون بإجراءات الوقاية.
كما يتناول الملف أهمية الإسعافات الأولية، ودور الأسرة في الرقابة، وأثر تعليم السباحة المبكر، إلى جانب مسؤولية المسابح والشواطئ في توفير بيئة آمنة، في محاولة للإجابة عن سؤال جوهري يتكرر كل صيف: كيف نحمي الأرواح قبل فوات الأوان؟

لوحات تحذيرية

الإهمال وضعف الاستعداد.. في قلب كل حادثة

في البداية، يقول استشاري طب الأسرة والمجتمع الدكتور محمد بكر قانديه إن معظم حالات الغرق المُسجَّلة يمكن تفاديها إذا توافرت عوامل الوقاية الأساسية، إذ إن أسباب الغرق تختلف بين البحر والمسابح، لكنها تجتمع غالباً عند نقطة الإهمال أو

محمد قانديه

محمد قانديه

تسمية

ضعف الاستعداد.
فبعض الحوادث تقع نتيجة السباحة في أماكن غير مهيَّأة أو خطرة، أو بسبب عدم معرفة السبّاح بطبيعة الأمواج والتيارات البحرية، بينما تحدث حالات أخرى داخل المسابح نتيجة غياب المراقبة أو عدم الالتزام بالاشتراطات النظامية. والأطفال هم الفئة الأكثر عرضةً للخطر، خاصةً حين يُتركون دون متابعة مباشرة.
وأضاف أن المسؤولية تختلف باختلاف موقع الحادث؛ فإدارات المسابح والمنتجعات تتحمل جزءاً مهماً منها حين لا توفر بيئةً آمنة، أو حين تغيب الرقابة المنهجية أو تنعدم فرق الإنقاذ المؤهلة، بينما تتحمل الأسرة مسؤوليةً كبيرة حين تسمح للأطفال بالنزول إلى المياه دون إشراف حقيقي.
ولفت إلى أن تكرار حالات الغرق في فصل الصيف تحديداً ليس أمراً مستغرباً، إذ يرتفع الإقبال على البحر والمسابح بشكل كبير، وتزداد ساعات البقاء في المياه، خصوصاً لدى الأطفال والمراهقين، إلى جانب نوع من التهاون أو الثقة الزائدة لدى البعض، مما يؤدي إلى التقليل من المخاطر الحقيقية.

وحدة البحث والانقاذ

وأوضح الدكتور قانديه أن توافر أدوات السلامة ضرورةٌ لا يمكن التهاون بها، من خلال توفير أطواق النجاة، وسترات الإنقاذ، ومعدات الإسعافات الأولية، ووجود منقذين مدرَّبين داخل المسابح والشواطئ العامة، إلى جانب ضرورة تجهيز عيادة طبية قريبة للتعامل مع الحالات الطارئة، خاصةً أن الدقائق الأولى بعد الغرق حاسمةٌ في إنقاذ الحياة وتقليل المضاعفات.
وأشار إلى أن بعض المصابين بالغرق قد يُنقَذون من الموت، لكنهم يواجهون لاحقاً مضاعفات صحية خطيرة نتيجة نقص الأكسجين الذي قد يؤثر في الدماغ أو الرئتين، مما يجعل سرعة التدخل الطبي عاملاً أساسياً في تقليل الأضرار.

الأسرة خط الدفاع الأول.. والغرق لا يُنذر

وفي سياق متصل، شدّد استشاري الأطفال الدكتور نصر الدين الشريف على أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول لحماية الأطفال من الغرق، فالتوعية المنزلية المبكرة

نصرالدين الشريف

نصرالدين الشريف

جزءٌ أساسي من الوقاية، ولا ينبغي الاكتفاء بتحذيرات عابرة أو تعليمات عامة. وأشار إلى خطأ شائع تقع فيه بعض الأسر، يتمثل في الاعتقاد بأن وجود الطفل بالقرب منهم يعني أنه في أمان، بينما يثبت الواقع أن الغرق قد يحدث خلال ثوانٍ قليلة ودون صراخ أو استغاثة واضحة، خصوصاً لدى الأطفال الصغار.
وتابع أن من الأخطاء الخطيرة السماحَ للأطفال الذين لا يُجيدون السباحة بالنزول إلى المسابح أو البحر بدافع الترفيه أو المجاملة الاجتماعية، فالطفل الذي لا يمتلك مهارات سباحة أساسية لا ينبغي السماح له بالنزول إلى المياه مطلقاً، مهما بدا العمق بسيطاً أو المكان آمناً.
وبيَّن أن المسؤولية داخل المسابح تقع بدرجة كبيرة على الجهة المشغِّلة، التي يجب أن توفر مدرِّب سباحة أو مشرفاً مؤهلاً يتابع الأطفال بصورة مستمرة، لا مجرد وجود شكلي لمنقذ أو مراقب بعيد عن الحدث. فالأطفال يحتاجون إلى متابعة دقيقة ومباشرة، لأنهم قد يندفعون نحو المناطق العميقة دون إدراك للخطر، أو يتعرضون للإرهاق المفاجئ أثناء اللعب، مما قد يؤدي إلى وقوع حادث في وقت قصير جداً.
أما في البحر، فيؤكد الدكتور الشريف أن المسؤولية الأساسية تعود للأسرة، لأن البيئة البحرية تختلف تماماً عن المسابح، وتخضع لعوامل متغيرة كالأمواج والتيارات والعمق المفاجئ، مما يجعل الرقابة الأسرية المباشرة ضرورةً لا خياراً. وأشار إلى أن بعض الأسر تمنح الأطفال حريةً كبيرة في الشواطئ، أو تنشغل بالهواتف المحمولة أو الجلسات العائلية بينما يكون الأطفال بالقرب من المياه دون انتباه فعلي، وهو ما قد يحول رحلةً ترفيهية إلى مأساة خلال دقائق.

مضاعفات الغرق.. الخطر لا ينتهي عند الإنقاذ

ومن زاوية طبية أخرى، توضح استشارية الأمراض الصدرية الدكتورة أميمة محمد أن كثيراً من حالات الغرق لا تنتهي عند لحظة إخراج المصاب من الماء، إذ قد تظهر مضاعفات خطيرة لاحقاً حتى وإن بدا الشخص في حالة جيدة ظاهرياً. فالغرق يؤدي في كثير من الأحيان إلى دخول الماء إلى مجرى التنفس والرئتين، مما يسبب نقصاً حاداً في الأكسجين قد يؤثر في الدماغ والقلب خلال دقائق معدودة، وسرعة التدخل الطبي قد تكون الفاصلَ الحقيقي بين النجاة وحدوث مضاعفات خطيرة.
وأكملت أن من الأخطاء الشائعة تأخيرَ طلب الإسعاف أو الاكتفاء بإخراج الماء من جسم المصاب بطرق عشوائية، مؤكدةً أن الأولوية يجب أن تكون للتحقق من التنفس والنبض وطلب المساعدة الطبية فوراً.
وبيَّنت أن الإنعاش القلبي الرئوي قد يكون في بعض الحالات إجراءً منقذاً للحياة، لكنه يحتاج إلى معرفة صحيحة بأساسياته، داعيةً إلى نشر ثقافة الإسعافات الأولية داخل المجتمع، خصوصاً بين الأسر ورواد الشواطئ والمسابح.
وأكدت الدكتورة أميمة ضرورةَ عدم الاستهانة بحالة من تعرّض للغرق حتى وإن استعاد وعيه سريعاً، إذ قد تظهر مضاعفات تنفسية لاحقة نتيجة دخول الماء إلى الرئتين، مما يستدعي تقييماً طبياً عاجلاً.

لماذا تتكرر الحوادث رغم المعرفة بالمخاطر؟

من جهته، يرى المستشار الاجتماعي طلال محمد الناشري أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه كل عام ليس: لماذا حدثت حالات الغرق؟ بل: لماذا ما زالت تتكرر رغم المعرفة المسبقة بالمخاطر.

طلال الناشري

طلال الناشري

تسمية

وقال إن المشكلة تبدو مزيجاً من ضعف التوعية وعدم الالتزام باشتراطات السلامة، فكثيرٌ من الناس يعرفون المخاطر نظرياً لكنهم لا يطبقون التعليمات فعلياً، سواء من حيث مراقبة الأطفال أو استخدام وسائل الحماية أو اختيار أماكن السباحة المناسبة.
وأضاف أن بعض الأسر قد تدرك خطورة ترك الطفل وحده، لكنها في الوقت ذاته تمنحه مساحةً كبيرة من الحرية قرب المياه بدافع الاطمئنان الزائف، بينما الحقيقة أن الغرق من الحوادث التي تقع بسرعة كبيرة وقد لا تمنح فرصةً كافية للتدخل.
وأوضح الناشري أن حماية الأطفال من الغرق تبدأ من خطوات بسيطة لكنها شديدة الفاعلية، أهمها: عدم ترك الطفل بمفرده أبداً قرب المياه حتى وإن كان يُجيد السباحة، والحرص على استخدام وسائل الطفو المناسبة، والتأكد من سلامة المكان المخصص للسباحة. وشدّد على أهمية تعليم الأطفال قواعد السلامة المائية منذ سنٍّ مبكرة، كعدم القفز في الأماكن المجهولة، وعدم السباحة منفردين، وإبلاغ الكبار عند الشعور بالتعب أو الخوف. ونبّه إلى أن بعض حالات الغرق تقع بسبب الثقة الزائدة، خصوصاً لدى المراهقين الذين يبالغون في تقدير قدراتهم البدنية، أو يحاولون تقليد مشاهد خطرة دون إدراك للعواقب.

نصائح لمحبي السباحة

ويوجّه الناشري جملةً من النصائح لهواة السباحة، خاصةً الأطفال والمراهقين، أبرزها: تجنّب التحديات الخطرة والاستعراض داخل المياه، وعدم السباحة في أماكن غير معروفة أو غير مخصصة، والتوقف فور الشعور بالإرهاق أو التشنجات العضلية.
وخلص إلى أن السباحة نشاطٌ صحي وممتع ذو فوائد جسدية ونفسية كبيرة، لكنها تتحول إلى خطر حين تغيب الثقافة الوقائية أو يُستهان بالتعليمات الأساسية.
وخلص الناشري إلى أن حوادث الغرق ليست قدراً محتوماً، بل غالباً نتيجة أخطاء يمكن منعها. فبين مسؤولية الأسرة، والتزام إدارات المسابح والشواطئ، وضرورة توافر أدوات السلامة والتأهيل المسبق للأطفال، تبقى الوقاية هي خط الدفاع الأول. ودقائق من الانتباه ودروس سباحة مبكرة ووعيٌ حقيقي بالمخاطر قد تكون كفيلةً بإنقاذ حياة كاملة من النهاية المؤلمة تحت الماء.

تعليم السباحة.. الوقاية تبدأ قبل الوصول إلى الماء

من جانبها، ترى الأخصائية الاجتماعية مروج محمد شاهيني أن الوقاية الحقيقية تبدأ قبل الوصول إلى البحر أو المسبح، عبر تعليم الأطفال السباحة بشكل احترافي ومنظم، فالالتحاق بدورات سباحة متخصصة ينبغي أن يكون خطوةً أساسية قبل

مروج شاهيني

السماح للطفل بخوض تجربة السباحة.
وأشارت إلى أن كثيراً من أولياء الأمور يخلطون بين قدرة الطفل على اللعب بالماء وبين إجادته للسباحة، فالسباحة مهارةٌ تتطلب تدريباً حقيقياً على التحكم في النفَس والحركة والتعامل مع الطوارئ والخوف المفاجئ. وبذلك، فإن حصول الطفل على تدريب مناسب في السباحة يُقلل بشكل كبير من احتمالات الغرق، لأنه يساعده على التصرف الصحيح عند فقدان التوازن أو دخول المياه العميقة أو الشعور بالإرهاق.
وأضافت أن السماح للأطفال الصغار بالنزول إلى مسابح الكبار بحجة أنهم محترفون أو معتادون على السباحة قرارٌ محفوف بالمخاطر، لأن الاختلاف في العمق وطبيعة الحركة داخل المسبح قد يعرّض الطفل لحوادث مفاجئة.
وأشارت شاهيني إلى أن بعض الأطفال قد يُصابون بالخوف فجأةً أو بالإجهاد العضلي أثناء السباحة، وحتى الطفل المتمكن قد يتعرض لموقف طارئ يحتاج فيه إلى تدخل سريع، لذلك فإن الالتزام بالأماكن المخصصة للأعمار المختلفة يمثل إجراءً وقائياً بالغ الأهمية.

Disclaimer : This story is auto aggregated by a computer programme and has not been created or edited by DOWNTHENEWS. Publisher: alyaum.com