قانونيون لـ«اليوم»: الوعي المجتمعي خط الدفاع الأول في مواجهة جرائم الذكاء الاصطناعي

0
3

لم تعد الهجمات الإلكترونية في عام 2026 تعتمد على استهداف الأنظمة التقنية فحسب، بل باتت تركز بصورة أكبر على استغلال الإنسان نفسه، في ظل الطفرة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في أدوات الهجوم وأساليبه.
وكشف تحليل بحثي عالمي صادر عن (كاسبرسكي) عن تصاعد التهديدات السيبرانية خلال النصف الأول من العام، بالتزامن مع اعتماد المهاجمين على النماذج اللغوية في إعداد رسائل التصيد الإلكتروني، وتطوير البرمجيات الخبيثة، وكتابة أجزاء من الشيفرات البرمجية، ما منحهم قدرة أكبر على تنفيذ هجمات أكثر تعقيدًا وانتشارًا وبكلفة أقل.
ورغم هذا التصاعد، نجحت أنظمة الحماية الإلكترونية في إحباط نحو 5.4 ملايين هجوم إلكتروني استهدفت مستخدمين في المملكة عبر الإنترنت والبريد الإلكتروني، لتصنف السعودية ضمن الدول الأقل تأثرًا بالتهديدات السيبرانية في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، في مؤشر يعكس تطور منظومة الأمن السيبراني، لكنه في الوقت ذاته يكشف حجم التحديات المتنامية التي يفرضها التطور المتسارع للتقنيات الرقمية.
وأجمع قانونيون ومحامون تحدثوا لـ«اليوم» على أن مواجهة الجرائم المعلوماتية لم تعد مسؤولية الجهات المختصة وحدها، بل أصبحت مسؤولية مشتركة تبدأ من وعي المستخدم وتنتهي بتكامل الأنظمة والتقنيات الحديثة.

وأكدوا أن المحتالين يعتمدون اليوم على الهندسة الاجتماعية أكثر من اعتمادهم على الاختراقات التقنية، مستغلين ثقة الضحية أو خوفها للحصول على كلمات المرور، ورموز التحقق، والبيانات البنكية، مشددين على أن التشريعات السعودية وفرت منظومة عقابية متقدمة لحماية الأفراد والاقتصاد الرقمي، إلا أن الوقاية تظل أكثر فاعلية من العلاج، وهو ما يتطلب تعزيز الثقافة القانونية والرقمية، ورفع مستوى الوعي المجتمعي، والإبلاغ المبكر عن الجرائم، إلى جانب استمرار المؤسسات المالية في تطوير منظوماتها الأمنية لمواكبة الأساليب الإجرامية المستحدثة.

الهندسة الاجتماعية أخطر من الاختراقات التقنية

أكد المستشار القانوني عبدالله المدني أن التحول الرقمي الذي تشهده المملكة جعل الجرائم المعلوماتية أكثر التصاقًا بالحياة اليومية للأفراد، بعد أن أصبحت الخدمات المصرفية والتجارية والحكومية تعتمد بصورة شبه كاملة على المنصات الإلكترونية، الأمر الذي جعل أي اختراق أو عملية احتيال تمس خصوصية الإنسان وأمواله واستقراره الأسري بشكل مباشر.
وأوضح أن المحتالين لم يعودوا بحاجة إلى اختراق أنظمة معقدة، بل أصبحوا يركزون على اختراق السلوك البشري، مستغلين الثقة أو الخوف أو الرغبة في تحقيق مكاسب سريعة.
وقال إن الرسائل التي تدعي تجميد الحسابات البنكية، أو الروابط التي توهم المستخدم بالفوز بجائزة أو الحصول على وظيفة، ليست سوى وسائل لاستدراج الضحية إلى الإفصاح عن بياناته السرية أو رمز التحقق، وهو ما يمنح المحتال القدرة على تنفيذ الجريمة دون الحاجة إلى اختراق تقني مباشر.

259

عبدالله المدني

وأضاف أن نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية جاء ليكون مظلة قانونية تحمي المستخدمين في البيئة الرقمية، مبينًا أن المسؤولية لا تقع على طرف واحد؛ إذ يتحمل الأفراد مسؤولية المحافظة على بياناتهم وعدم مشاركتها مع أي جهة، بينما تلتزم البنوك والمؤسسات المالية بتطوير أنظمة الحماية، ورصد العمليات المشبوهة، والتعامل السريع مع البلاغات، بما يحد من الخسائر المحتملة.
كما حذر من التهاون في تصوير الأشخاص أو نشر مقاطعهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون موافقتهم، مؤكدًا أن كثيرًا من المستخدمين يعتقدون أن تصوير الوقائع في الأماكن العامة ونشرها يعد نوعًا من التوعية، بينما يعده النظام اعتداءً على الحياة الخاصة قد يترتب عليه مساءلة قانونية.
وأشار إلى أن الإبلاغ عن المخالفات يجب أن يتم عبر التطبيقات الرسمية والجهات الأمنية المختصة، وليس عبر منصات التواصل، مؤكدًا أن الوعي القانوني أصبح ضرورة لحماية الأفراد قبل أن يكون وسيلة لمعاقبة الجناة.

العقوبات الرادعة لا تغني عن ثقافة التحقق

من جهتها أوضحت المحامية والموثقة دنيا حموه أن الجرائم المعلوماتية شهدت تحولًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، إذ أصبحت تعتمد بصورة أساسية على استغلال ثقة المستخدمين أكثر من اعتمادها على الاختراقات التقنية التقليدية، وهو ما جعل الهندسة الاجتماعية الأداة الأكثر استخدامًا لدى المحتالين.

379

دنيا حموه

وقالت إن غالبية ضحايا الاحتيال الإلكتروني يقعون نتيجة رسائل مزيفة أو روابط تنتحل صفة البنوك أو الجهات الحكومية أو المؤسسات المالية، أو عبر ادعاءات بالحصول على جوائز أو تحديث بيانات الحسابات، الأمر الذي يدفع الضحية إلى مشاركة بياناته السرية أو رموز التحقق، رغم أن الأنظمة والتعليمات تؤكد ضرورة عدم الإفصاح عنها لأي جهة.
وأضافت أن المنظم السعودي أولى هذه الجرائم اهتمامًا كبيرًا من خلال نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، الذي جرّم صور الاحتيال والاستيلاء على الأموال أو البيانات بوسائل إلكترونية، وقرر بحق مرتكبيها عقوبات تصل إلى السجن والغرامة بحسب جسامة الفعل والآثار المترتبة عليه، بما يعزز الثقة في التعاملات الإلكترونية ويحمي الاقتصاد الرقمي.
وأكدت أن المسؤولية الجنائية تقع أولًا على مرتكب الجريمة، إلا أن ذلك لا يعفي الأفراد من واجب المحافظة على بياناتهم البنكية وكلمات المرور ورموز التحقق، كما لا يعفي المؤسسات المالية من مسؤولية الالتزام بأعلى معايير الأمن السيبراني وتطوير وسائل الحماية والاستجابة السريعة للمخاطر الإلكترونية.
وشددت على أن الرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى المجتمع تتمثل في عدم منح الثقة لأي رسالة إلكترونية أو اتصال هاتفي قبل التحقق من مصدره، مبينة أن كل رابط مجهول قد يكون مدخلًا لفقدان الحسابات البنكية أو البيانات الشخصية، وأن الثقافة القانونية والوعي التقني أصبحا يمثلان خط الدفاع الأول قبل أي برامج أو أنظمة حماية إلكترونية.

موازنة بين الردع وحماية الاقتصاد الرقمي

وأكد المستشار القانوني صالح بن عبدالله المقبل أن الجرائم المعلوماتية أصبحت من أكثر الجرائم ارتباطًا بالحياة اليومية بعد انتقال معظم الخدمات المالية والتجارية والحكومية إلى البيئة الرقمية، وهو ما جعل الحفاظ على الأمن المعلوماتي جزءًا أساسيًا من حماية الاقتصاد الوطني.
وبين أن المحتالين لم يعودوا يعتمدون على اختراق الأنظمة التقنية بقدر اعتمادهم على انتحال صفة البنوك والجهات الرسمية، وإرسال روابط ورسائل مزيفة تستهدف كسب ثقة المستخدم ودفعه إلى الإفصاح عن بياناته البنكية أو رموز التحقق، مشيرًا إلى أن أخطر ثغرة يستغلها المجرمون ليست في الأنظمة الإلكترونية، وإنما في سلوك الإنسان وضعف الوعي بأساليب الاحتيال المستحدثة.

219

صالح المقبل

وأضاف أن نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية جاء ليواكب هذا التطور من خلال تحديد صور الجرائم والعقوبات المقررة لها، بما يحقق الأمن المعلوماتي ويحفظ الحقوق الناشئة عن الاستخدام المشروع للتقنية.
وأوضح أن النظام أقر عقوبات متدرجة تتناسب مع جسامة الجريمة، إذ تصل عقوبة الدخول غير المشروع بقصد الابتزاز أو التشهير والتنصت إلى السجن لمدة سنة، وغرامة تصل إلى 500 ألف ريال، بينما تصل عقوبة الاحتيال المعلوماتي والاستيلاء على الأموال أو البيانات البنكية إلى السجن ثلاث سنوات، وغرامة مليوني ريال، كما ترتفع العقوبات إلى السجن أربع سنوات، وغرامة ثلاثة ملايين ريال في الجرائم التي تستهدف إتلاف البيانات أو تعطيل الشبكات والخدمات الإلكترونية.
وأشار المقبل إلى أن النظام لم يقتصر على تقرير عقوبات أصلية تتمثل في السجن والغرامة، بل أتاح أيضًا عقوبات تكميلية مثل مصادرة الأدوات المستخدمة في الجريمة، وإغلاق المواقع أو الوسائل التي استُخدمت في ارتكابها، مؤكدًا أن المشرع السعودي منح القضاء سلطة تقدير العقوبة وفق ظروف كل قضية، بما يحقق العدالة والتناسب بين الفعل المرتكب والعقوبة المقررة.
وأكد أن العقوبة وحدها لا تكفي لمواجهة الجرائم المعلوماتية، بل إن الوقاية تبدأ قبل وقوع الجريمة من خلال بناء وعي مجتمعي قادر على اكتشاف محاولات الاحتيال، إلى جانب التزام المؤسسات المالية والجهات المختلفة بتطوير وسائل الحماية وتطبيق التعليمات الرقابية، مبينًا أن التكامل بين التشريع والتقنية والوعي المجتمعي هو الضمان الحقيقي للحد من هذه الجرائم.

الاحتيال المالي يستهدف الثقة قبل الأموال

بدوره، أوضح المحامي أحمد لاحق السلمي أن التوسع في الخدمات الرقمية أسهم في ظهور أنماط جديدة من الجرائم الإلكترونية، وفي مقدمتها الاحتيال المالي والابتزاز الإلكتروني، اللذان يعتمدان بصورة رئيسية على استغلال ثقة الضحية وإيهامها بأنها تتعامل مع بنك أو جهة حكومية أو شركة معروفة؛ للحصول على البيانات البنكية أو كلمات المرور أو رموز التحقق.
وأشار إلى أن المنظم السعودي تعامل بحزم مع هذه الجرائم، إذ نص نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية على عقوبات تصل إلى السجن سنة أو غرامة 500 ألف ريال في بعض الجرائم المعلوماتية، بينما تصل عقوبات الاحتيال الإلكتروني والاستيلاء على الأموال أو البيانات إلى السجن ثلاث سنوات أو غرامة مليوني ريال أو بهما معًا، فضلًا عن العقوبات المنصوص عليها في نظام مكافحة الاحتيال المالي وخيانة الأمانة، والتي قد تصل إلى السجن سبع سنوات وغرامة خمسة ملايين ريال.

292

أحمد السلمي

وأضاف أن هذه العقوبات تعكس حرص المملكة على حماية التعاملات الإلكترونية وتعزيز الثقة في الاقتصاد الرقمي، إلا أن المسؤولية لا تقع على الجهات المختصة وحدها، بل تبدأ من المستخدم نفسه عبر المحافظة على بياناته الشخصية، وعدم مشاركة كلمات المرور أو رموز التحقق، والتأكد من صحة الروابط والمواقع الإلكترونية قبل إدخال أي معلومات، مؤكدًا أن دقائق قليلة من التحقق قد تجنب الضحية خسائر مالية كبيرة.

الوعي النفسي

من جانبها، أكدت المختصة في المشاريع القانونية سارة ذياب الشهري أن الجرائم المعلوماتية لم تعد قضية تقنية أو قانونية فقط، بل أصبحت ترتبط بالجانب النفسي والاجتماعي؛ لأن المجرمين يعتمدون في المقام الأول على التخويف والضغط النفسي والسيطرة على الضحية قبل تنفيذ الجريمة، معتبرة أن الخوف هو السلاح الأقوى الذي يستخدمه المبتزون لإجبار ضحاياهم على الاستجابة لمطالبهم.
وأوضحت أن مواجهة هذه الجرائم تبدأ بعدم الاستسلام للمبتز، والإبلاغ الفوري للجهات المختصة، مؤكدة أن سرعة الإبلاغ تسهم في الحد من آثار الجريمة ورفع فرص ملاحقة مرتكبيها.

175

سارة الشهري

كما دعت إلى تعزيز برامج التوعية القانونية والرقمية بأساليب أكثر تفاعلية وقربًا من المجتمع، بدلًا من الاكتفاء بالرسائل التقليدية، حتى يتمكن الأفراد من التعرف على أساليب الاحتيال الحديثة وكيفية التعامل معها.
وأضافت أن من أبرز الممارسات التي يجهل كثيرون خطورتها تصوير الآخرين أو نشر صورهم ومقاطعهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون موافقتهم، مشيرة إلى أن نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية يجرم المساس بالحياة الخاصة وإساءة استخدام الهواتف المزودة بالكاميرات، ويقرر عقوبات تصل إلى السجن والغرامة بحق من يرتكب مثل هذه الأفعال، خصوصًا إذا ترتب عليها تشهير أو إضرار بالضحية.
وشددت على أهمية تغيير النظرة المجتمعية تجاه ضحايا الجرائم الإلكترونية، وعدم تحميلهم مسؤولية الجريمة أو وصمهم اجتماعيًا، مؤكدة أن التركيز يجب أن ينصب على ملاحقة الجاني ومحاسبته؛ لأن كثيرًا من المحتالين يعتمدون على استغلال نقاط الضعف النفسية لدى الضحية، وهو ما يجعل بناء ثقافة مجتمعية داعمة للإبلاغ وطلب المساعدة جزءًا أساسيًا من منظومة الحماية.

Disclaimer : This story is auto aggregated by a computer programme and has not been created or edited by DOWNTHENEWS. Publisher: alyaum.com